الكلمة الطيبة صدقة: كيف ننتقد صُناع المحتوى دون هدمهم؟

مع ازدياد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح صناع المحتوى جزءًا أساسيًا من المشهد الرقمي، حيث يتمتعون بحرية التعبير وإمكانية نشر أي محتوى على حساباتهم. كثير منهم يسعون لنشر الفائدة، سواء من خلال التعليم، الترفيه، أو حتى مشاركة تجاربهم الشخصية. لكن في المقابل، يواجهون سيلًا من التعليقات، بعضها بناء، والكثير منها هدام. النقد الجارح لا يؤثر فقط على الحالة النفسية لصانع المحتوى، بل قد يدفعه أحيانًا إلى التوقف عن مشاركة ما يفيد الناس.

الإسلام والكلمة الطيبة

الإسلام شدد على أهمية الكلمة الطيبة، وجعلها صدقة كما قال النبي ﷺ: "والكلمة الطيبة صدقة" (رواه البخاري ومسلم). فالكلام الذي نلقيه في فضاء الإنترنت قد يكون سببًا في تشجيع شخص على الاستمرار، أو في إحباطه وهدمه. وهذا يتفق مع قول الله تعالى: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"(البقرة: 83).

حتى في حالة النقد، الإسلام يضع ضوابط له، بحيث يكون بأسلوب يحفظ كرامة الشخص ولا يكون فيه تجريح أو تقليل من شأنه. النبي ﷺ نفسه كان يُنبه على الأخطاء بلطف، كما في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث لم يعنفه النبي ﷺ بل أمر الصحابة بتركه حتى ينتهي، ثم خاطبه بلطف موضحًا له حرمة الفعل. وكذلك في تصحيح صلاة الصحابي الذي كان يسرع في صلاته، حيث قال له النبي ﷺ: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ"، ثم علمه الطريقة الصحيحة للصلاة دون تجريح.

كيف نصحح الأخطاء دون تجريح؟

عندما ينشر صانع المحتوى معلومات غير دقيقة، لا يعني ذلك الهجوم عليه أو اتهامه بالتضليل. هناك طرق أكثر نفعًا، منها:

  • التواصل المباشر: بدلاً من تعليق علني جارح، يمكن إرسال رسالة خاصة توضح الخطأ بلطف.
  • الاستفسار بدل الاتهام: بدلًا من قول "هذا كلام خاطئ"، يمكن أن يُقال: "هل يمكن التحقق من المصدر؟"، مما يفتح بابًا للحوار بدلاً من المواجهة.
  • استخدام أسلوب النصح بالحسنى: مثلًا، يمكن أن يُقال: "جزاك الله خيرًا على هذا المجهود، لكن هناك معلومة قد تحتاج لمراجعة..."

مسؤولية صانع المحتوى

على صانع المحتوى أن يتحرى الدقة والمصداقية فيما ينشره، إذ أن تأثيره يمتد إلى جمهور واسع. وهنا بعض الخطوات التي تساعده في تجنب نشر معلومات غير دقيقة:

  • التحقق من المصادر: عدم الاعتماد على مصادر غير موثوقة أو الأخبار المتداولة بدون دليل.
  • مراجعة المحتوى قبل النشر: التأكد من دقة كل معلومة من خلال أكثر من مصدر.
  • الاعتراف بالخطأ عند حدوثه: الشفافية تزيد من مصداقية الشخص بدلًا من التمسك بالمعلومة الخاطئة.

مسؤولية القارئ

القارئ ليس مجرد متلقٍ للمحتوى، بل عليه مسؤولية التأكد من صحة المعلومات قبل تصديقها أو مشاركتها. و لكن في نفس الوقت لو محصنا كل معلومة تُنشر لا وجب أن نعود للقراءة من الكتب فقط حتي ان محتواها مبني علي المراجع و المصادر التي يمكن معرفتها و نترك المحتوي الرقمي تماما. لذلك يجب الفصل بين المحتوي الذي يجب تمحيصه و المحتوي الذي يمكن ان تتلقاه مباشرة من صاحبة. لتحقيق ذلك يمكن اتباع هذه الخطوات:

ما الذي يستحق التمحيص؟

    • المعلومات التي تتعلق بالصحة، الدين، القانون، والعلوم، لأنها قد تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس.
    • الأخبار السياسية والاجتماعية التي قد تكون مضللة أو متحيزة.
    • أي ادعاءات غير مدعومة بمصادر واضحة.

ما الذي يمكن تلقّيه بدون تدقيق عميق؟

    • الآراء الشخصية والتجارب الذاتية، لأنها تعكس وجهات نظر أصحابها ولا تدعي الحقيقة المطلقة.
    • المحتوى الترفيهي الذي لا يحمل تبعات خطيرة.
    • المعلومات الشائعة التي تتكرر في مصادر موثوقة ومعروفة.
    • علم من ذوي الثقات التي تعرف صدق و مكانة علمهم و أمانتهم العلمية
  • عدم إعادة نشر ما يتداوله الآخرون دون التحقيق: التأكد من صحة المعلومات قبل مشاركتها، مع الأخذ في الاعتبار أن ليس كل ما يُنشر يستلزم التمحيص العميق، ولكن على الأقل التحقق من المحتوى الذي قد يؤثر على الآخرين أو يتناول قضايا حساسة.
  • التفكير النقدي: عدم تصديق كل ما يُنشر دون تمحيص، والبحث عن مصادر موثوقة.
  • التفاعل البناء: إذا وجد القارئ خطأً في المحتوى، يمكنه تصحيحه بأسلوب محترم وبناء

فلنكن جزءًا من الحل لا المشكلة

بدلًا من أن نكون سببًا في إحباط شخص يسعى لنشر الفائدة، يمكننا أن نكون داعمين له. النقد البناء يساعد على التطور، بينما النقد الهدام قد يهدم أشخاصًا ويحرمنا من محتوى قيم كان يمكن أن يفيد المجتمع. فلنحرص على أن تكون كلماتنا طيبة، لأنها قد تكون سببًا في بناء شخص أو هدمه.