كيف تستعد لتلقي الهدي من القرآن؟

القرآن ليس هديًا إلا لمن صلحت بيئة نفسه للاهتداء به. فقد يحدث أن لا تقرأه، وإن قرأته قد لا تفهمه أو تتأثر به، وإن فهمته أو تأثرت به فقد لا تستطيع العمل به.
أثبتت كثير من الآيات أن للعقل والسمع والبصر خواص إدراكية تفوق ظاهرها من التعقل وسماع الأصوات والرؤية؛ حيث نفى الله سبحانه هذه الحواس عن الكفار في مواضع عدة.
من كلام الله نستنبط أن العقول والقلوب والحواس قد تغطى بغشاء، وبحسب هذا الغشاء تتحدد قدرة القلوب والحواس على الاستفادة من القرآن والاهتداء به. والسؤال الآن: كيف نعد أنفسنا لتلقي الهدي من القرآن؟
بتحقيق التقوى
من أروع ما قيل في تعريف التقوى هو ما قاله طلق بن حبيب:
“التقوى هي العمل بطاعة الله، على نور من الله، رجاء ثواب الله. وترك معاصي الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله.”
التقوى تعني فعل الطاعات وترك المنهيات، وبالتالي تتفاوت درجتها بحسب هذين الفعلين. والتقوى هي أحد دعائم تلقي الهدي من القرآن، فبقدر تقواك يكون قدر اهتدائك.
ولهذا، جاء الموضع الوحيد في القرآن الذي ربط فيه الله هداية القرآن بصفة المستفيدين منه في قوله تعالى:
“ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ” [البقرة: 2].
التقوى هي صفة المستفيدين بهدي القرآن، ورأس الأمر، والصفة الجامعة لأفعال وصفات المهتدين.
كيف تتحقق التقوى؟
١) صفات المتقين كما وردت في سورة البقرة:
1. الإيمان بالغيب:
الغيب هو كل ما سُتر عن علم الإنسان، مثل ملكوت الله والملائكة. لكن الإيمان بالغيب يشمل أيضًا الإيمان بموعود الله وإخباره، حتى قبل أن ترى نفاذه.
• مثال: قال الله تعالى: “ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ”. منذ لحظة الدعاء، مرحلة الإيمان بالغيب تعني أنك تؤمن أن الله استجاب، لكن الكيفية والتوقيت غيب عنك.
2. إقامة الصلاة:
الصلاة ليست مجرد حركات بالجسد والفم، بل هي اتصال بين العبد وربه. في الصلاة، ترسل الخشوع والخضوع، وتستقبل تجليات من الله سبحانه.
3. الإنفاق مما رزقوا:
الرزق يشمل المال، الصحة، العلم، وغير ذلك. الإنفاق من الرزق يعزز عمارة الأرض، ويشمل تعول نفسك، ومن معك، وتشارك في حركة الحياة.
4. الإيمان بكل الكتب السماوية:
الإيمان بأن الله واحد، والدين واحد، ومطلوبه من الإنسان واحد منذ خلق آدم إلى قيام الساعة: عبادته وشهادة أن لا إله إلا الله.
5. اليقين بالآخرة:
الله قال: “وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ”، ولم يقل “يؤمنون”.
• اليقين يتجاوز الإيمان إلى مطابقة المعيشة اليومية للمعرفة. أي أن تعيش وكأنك ترى الآخرة.
٢) التقوى في مواضع أخرى من القرآن مقترنة بوسائل تحقيقها:
• العمل بما في الكتاب.
• طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
• الوفاء بالعهد.
• محاسبة النفس.
• الصبر في السراء والضراء.
• العدل.
• عدم الحلف بالله على ما لا يصح.
• الإصلاح بين المتخاصمين أو المقتتلين من أهل الإيمان.
• أداء الأمانة.
• عدم التسرع في الفتوى قبل معرفة قول الله ورسوله أولًا.
الخلاصة
تحقيق التقوى هو رأس الأمر للاستعداد للاستفادة من هدي القرآن. بها يتمهد القلب لاستقبال النور الإلهي، وتأتي الوسائل الأخرى لاحقًا لتكمل هذا الاستعداد.